لقد كان صوت محمود درويش وسيظل عنواناً لإرادة شعبه في الحرية والاستقلال , وسيبقى إعلان الاستقلال الفلسطيني الذي صاغه شاعرنا العظيم عام 1988 مرشداً لنا ونبراساً لكفاحنا , حتى يتحقق حلمه في أن يرى وطنه مستقلاً ومزدهراً بعد أن يرحل الإحتلال عن أرضه .
بعد محمود درويش لن يكون الشعر بالقوة نفسها أو بالسحر نفسه , سيكون شعراً مختلفاً , فبرحيله رحلت ظاهرة شعراء يملؤون ملاعب كرة القدم بالمعجبين والمعجبات , وليس في الوطن العربي وإنما في المنافي الأوروبية , خسرته صديقاً عزيزاً ورمزاً من رموز هذه الأمة التي ربما لن تتكرر إلا بعد قرون .
محمود درويش .. أقول : وداعاً ...
هو الشاعر المارد , الذي كلما كبر قلمه , صغر قلبه وبدا كأنه من عليائه يستنجد بنا، هو يريد منا "ورداً أقل" ونحن نعترف إننا ننتظر منه خسائر أكثر فداحة وحنيناً مدمراً كإعصار، ننتظر مزيداً من البكاء على كتف قصائده .
محمود درويش موحد للعرب بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى . القضية الفلسطينية كانت حاضرة في كل أعماله , ورحيله خسارة كبيرة لكل الأمة العربية , وسيظل حاضراً في ذاكرتنا ووعينا ووجداننا ووجدان كل العرب.
محمود درويش أحد أفضل الشعراء العرب في القرن الحالي، ويرمز تاريخه الشخصي إلى تاريخ قومه، استطاع تطوير هموم شعرية جميلة مؤثرة احتلت فيها فلسطين موقعاً مركزياً, فكان شعره التزاماً بالكلمة الجوهرية الدقيقة , وليس شعراً نضالياً أو دعوياً ,هكذا تمكن درويش شأنه في ذلك شأن الشعراء الحقيقيين من ابتكار واقع لفظي يرسخ في ذهن القارئ باستقلال تام عن الموضوع أو الباعث الذي أحدثه.
ظهرت إمبراطوريات في التاريخ وزالت , وظهر قياصرة وملوك ونسيهم التاريخ، ولكن المبدعين بقوا, بقي شكسبير وبقي دانتي وبقي المتنبي وسوف يبقى محمود درويش.
أهم ما يبقى من محمود درويش أنه صنع من الشعر ذاكرة له وذاكرة جماعية للشعب الفلسطيني, وأنه مارس كل شيء باعتباره طفلاً إبداعياً , حتى عندما مارس السياسة في تفصيلاتها اليومية العادية ، وهو يعكس القصيدة العربية الصافية التي تنطوي على مخزون غني يصل ما بين الأزمات المختلفة، والثقافات المتعددة, وتتيح له أن يحلق في فضاءات متنوعة من الأسطورة والتاريخ والنص المقدس وصولاً إلى مكنونات اللانهاية .
شعرت في المرة الأخيرة التي زارنا فيها في قرية "الجديدة" أنها الليلة الأخيرة , التقطنا صوراً كثيرة على غير العادة, وأحسست أن سفره إلى أميركا سيكون بمثابة رحلته الأخيرة. شهادتي لا تختلف عن شهادات الآخرين فليس لي بمحمود أكثر من الآخرين .
محمود درويش كان وراء ترشيحي لجائزة السينما الفلسطينية عام 1998 , كنت معجباً به وعاشقاً لأشعاره، فقدان هذا الرجل أوجع لي قلبي , لأنه رحل ونحن في أمس الحاجة إليه , وأنا أشعر أننا نكاد نفقد مرجعيتنا الثقافية بدون درويش.
رجل نُجمع على تبجيله .. وصاحب صيت هو الأكبر في ثقافتنا اليوم .
إن أهم ما يميز درويش أننا كفلسطينيين اختلفنا في خياراتنا الوطنية ولكننا لم نختلف فيه, وهناك إجماع حول هذه القامة الشعرية الشامخة , وباعتقادي أن النقاد سيختلفون في تأويل سطر شعري تركه درويش بعد ألف عام .