English

الرئيسية
عن المؤسسة
عن الشاعر
المؤلفات الكاملة
جائزة محمود درويش
متحف محمود درويش- حديقة البروة
Get Adobe Flash player
أخبار المؤسسة
 بمزيد من الحزن والأسى تنعى مؤسسة محمود درويش الأديب والمفكر الفلسطيني الكبير الأستاذ علي الخليلي، الذي وافته المنية صباح اليوم بعد مسيرة عطاء أدبية...
More
1234
حملة الاكتتاب الوطنية
الكرمل
الكرمل
Youtube Facebook
الرئيسية > دراسات نقدية >
Bookmark and Share

في حضرة الغياب!- عادل الأسطة

 

كلما قررت الا أكتب عن محمود درويش، ألفيت نفسي أمارة بالكتابة. سأقرأ مراجعات لكتابه الأخير في الصحف، وسأقرأ بعض فقرات من الكتاب، نشرتها هذه الصحيفة أو تلك، وربما وجدت نفسي غير متشجع للكتابة عن >في حضرة الغياب<. سأحمد الله على ذلك، فلن يخبرني أحد على لسان الشاعر-ان كان ما قاله صحيحا-: أنْ كُفَّ عن الكتابة عنه. لقد ضجر الشاعر، هكذا روى لي شعراء آخرون، مما أكتبه عنه، لفرط ما كتبت ليس أكثر. فاذا كان بعض ما كتبته لم يرق له، فإن أكثر ما كتبت نال إعجابه، بخاصة ما أنجزته عن >جدارية<.
سأقرأ >في حضرة الغياب< غير متشجع لأكتب عنه، أو هكذا سأدخل الى قراءته، ولكني سأجد نفسي قادرة على أن أنجز عنه مقالات مطولة، ربما تشبه ما أنجزته عن جدارية. وسأتردد، وربما سأتريث، ولكني لن أفوت الفرصة لكتابة دفتر ما، ولو موجز، وسيصدر الشاعر نصه ببيت شعر للشاعر مالك بن الريب:
يقولون: لا تبعد وهم يدفونني وأين مكان البعد إلاّ مكانيا؟ وسيبعد درويش. سيعود الى طفولته المبكرة جدا. وليست هذه هي المرة الأولى التي يستحضر فيها الطفولة. لقد استحضرها، بايجاز وهذا ما يناسب الشعر، في >لماذا تركت الحصان وحيدا< (1995)، وها هو يعود ليستحضر ما لم يستحضره هناك، أو ليتوسع فيه هنا، وهذا ما يناسب النثر على أية حال، لا الشعر.
سيبعد درويش، وهو يبلغ الآن السادسة والستين من العمر. سيعود الى ستين عاماً خلت ليقص عن طفولته الشقية، وليستحضر الغياب. سيكون درويش الآن في حضرة درويش الطفل ابن الخامسة أو السادسة، وفي حضرة أهله في ذلك الزمن. في حضرة أبيه وجده، وهنا ربما يتضح بعض دلالات العنوان. هنا سيتساءل المرء: من هم الذين هو في حضرتهم؟ أو قبل هذا السؤال: من في حضرة من؟ وإذا ما قرأ المرء اسم الشاعر مع عنوان الكتاب سيكون الجواب: محمود درويش في حضرة الغياب؟ وهنا سيثار سؤال آخر هو: من هم الغياب؟
ولن يعثر المرء على إجابة إلاّ بعد أن يفرغ من قراءة النص، وسيعثر على إجابات متعددة للسؤال: من في حضرة من؟ وأول هذه الإجابات هي: محمود درويش في حضرة محمود درويش، في حضرة محمود درويش، في حضرة محمود درويش.... الخ. ذلك أن الشاعر يستحضر مراحل مهمة ومؤثرة وفاعلة وغير قابلة للنسيان في حياته. وهو يدرك أنه مجموعة أنوات، لا أنا واحدة، وهكذا سيكون الشاعر الآن في حضرة نفسه طفلا، وفي حضرة نفسه يوم غادر فلسطين، وفي حضرة نفسه وهو في موسكو أو وهو في القاهرة أو وهو في بيروت، وسيكون في حضرة نفسه وهو في باريس على سرير الشفاء، وسيكون أيضاً في حضرة نفسه وهو في تونس. وهذا غيض من فيض.
وثاني هذه الإجابات أن درويش سيكون في حضرة معين بسيسو واميل حبيبي. سيستحضر هذين لما شكلاه في حياته من معنى. الأول لأنه كان في الفندق، في ظرف غامض، في لندن واحتار الفلسطينيون أين يدفنونه؟- وهذا سؤال يؤرق درويش-، والثاني لأنه أراد ان يصفي معه حسابات لا ندري ما هي، فوعده وحين حان يوم اللقاء توفي إميل حبيبي في الفجر، وهكذا لم تكتمل فرحة العودة.
وثالث هذه الإجابات هي أن درويش سيكون في حضرة أمه، حضرة حورية التي ربته وتركته يربي نفسه، وهذا ما عبر عنه درويش شعرا في قصيدته >في بيت أمي< التي تساءل فيها: أأنت يا ضيفي أنا؟ (هكذا سألت الصورة الضيف ابن الستين).
غير أن النص يقول لنا: هناك آخرون يعيشون في غياب آخرين. فليس فقط درويش في حضرة دراويش عديدة. وفي حضرة فلسطينيين آخرين، غابوا وطواهم الزمن، وإنما سنجد (مناحيم بيغن) في حضرة غياب هم شهداء دير ياسين. في ص (71) يكتب درويش عن ولادة الفلسطينيين المتكررة على الرغم من المذابح التي تعرضوا لها، وهذا ما يؤرق ملك اسرائيل الجديد:
> يتناول الملك أقراص المهدئ ويتذكر: لولا بطولتي، لولا ما فعلت بدير ياسين، لما قامت مملكتي. لولا الغياب، غيابهم، لما حضرت< (ص71).
ويتابع:
> أن لا يكونوا هو أن أكون< (ص71)
وسيكون الغياب هنا هم شهداء دير ياسين، سيكونون في حضرة ملك اسرائيل الجديد (مناحيم بيغن).
في تقديري لكتابي: >أرض القصيدة: جدارية درويش وصلتها بأشعار< قلت إنني أفكر في كتابة مقالة نثرية عنوانها: >أنا ودرويش: ثلاثون عاما من احتلال الشاعر لقارئه<. في حضرة الغياب يكتب درويش عن ستين عاما من احتلال ذاته له!

لقد سبقني!!
في حضرة جبرا وفدوى
قبل أن أقرأ >في حضرة الغياب< فكرت أن أكتب هذه الزاوية عن فدوى طوقان وجبرا ابراهيم جبرا، ذلك ان الذكرى السنوية لوفاة كل منهما تدق على الأبواب. ورأيت ألا أفوت الفرصة، ولقد تذكرت فدوى وأنا أقرأ ما يكتبه درويش عن عودته الى فلسطين عبر الجسر. سأقرأ في الكتاب عن هذا:
>لم تنم جيداً منذ وصلت الى رام الله من عمان قبل يومين، حيث وقفت على جسر اللنبي كأسير محترم بين جنود ينظرون إليك بفضول ثقيل، وينتظرون أوامر أخرى من أجهزة أمن أخرى للتأكد من أنك أنت أنت، لا آخر يتقمصك، وينتحل اسمك، ليجرب هذا الذل، ليكتب شعرا عن مراوغة الظل (ص150).
> هُناك< على الجسر الذي لا نهر تحته منذ تعرضتْ مصادرُ مياهه للنهب، يتقشف الحلم، وتشحب صورة البلاد، ولا تكون أنت أنت< وسأتذكر مقطعا من قصيدة فدوى >أمام شباك التصاريح<، تأتي فيه على ذل وقفة الجسر:
>فوق شباك التصاريح، عناوين/انتظار واصطبار/آه تستجدي العبور/ ويدوي صوت جندي هجين/لطمة تهوي على وجه الزحام: (عرب/فوضى، كلاب/ ارجعوا، ولا تقربوا الحاجز، عودوا يا كلاب)<.
ولقد تذكرت جبرا، ودرويش يستحضر معين بسيسو. تذكرته وأنا أشاهد ما يجري في العراق. العراق الذي أنفق جبرا فيه من عمره اربعين عاما، بنى فيها هناك بيته في حي المنصور، وهذا ما أفاض في الحديث عنه في >شارع الأميرات< لأتساءل: ماذا جرى لبيت جبرا هناك.
في >في حضرة الغياب<، حين يزور الشاعر قريته البروة، يكتب: >لا أثر >للبروة<، على يمين الشارع القادم من الناصرة، غير صورتها في خيالك المطعون بقرون الثيران التي تمضغ وتجتر علف ذكرياتك<. (ص158). وكان درويش في >كزهر اللوز أو أبعد< أتى على ما فعلته الجرافة في المكان، وهو ما يأتي عليه أيضاً هنا، في >في حضرة الغياب<. وكلما شاهد المرء الدبابات الاميركية في العراق، أو كلما شاهدتها أنا على الأقل، تذكرت جبرا، وتساءلت: ماذا فعلت به الجرافات هناك.
في حضرة الغياب يذكرنا أيضاً بغياب آخرين يجدر ان نستحضرهم.

سؤال السلالة

من الأسئلة التي يثيرها قارئ نصوص درويش الجديدة، سؤال السلالة. كلما أصدر الشاعر كتاباً جديداً، ديوان شــعر أو نصاً شعرياً مطولاً مثل " جدارية "، أو نصاً أدبياً مثل " في حضرة الغياب "، أثار الدارس السؤال التالي: هل يكرر درويش نفسه أم أنه يختلف في جديده عن أعماله السابقة؟

السؤال هذا والإجابة عنه يؤرقان الشاعر نفسه، فهو الذي يدرك جيداً أن الكاتب – أي كاتب – لا يكتب دائماً شيئاً جديداً مختلفاً عن نتاجه السابق اختلافا كلياً، إذ ثمة بذرة ما من أعمال سابقة أو عمل سابق تكون مرمية في العمل الجديد، وهو الذي يدرك جيداً أيضاً أن كل جديد ليس بالضرورة مختلفاً اختلافاً نوعياً عن سابقه، هو نفسه يقول بما معناه أنه لا يدفع أي عمل للنشر إلا إذا شعر أنه لا يشبهه، وهو يعني بهذا أنه لا يرغب في كتابة نصوص تكون مجرد تراكم كمي لما كتب. إنه يرغب في أن تكون تراكماً نوعياً – أي إنه يرغب في أن يضيف جديداً.

سؤال السلالة هذا يؤرق أيضاً دارس أدب محمود درويش: شعره ونثره. وربما أثار الدارس السؤال كلما قرأ جديداً لدرويش. والمناهج النقدية التفتت إلى هذا السؤال، بخاصة المنهج التاريخي الذي ينسب لـ ( برونتير )، فهذا الذي يرى أن موضوع النقد هو الحكم على المؤلفات الأدبية وتصنيفها وتفسيرها، يرى أن مهمة التفسير هي تحديد علاقات مصنف ما مع تاريخ الأدب العام، مع قوانين لونه الخاصة، مع البيئة التي ظهر فيها، وأخيراً مع كاتبه.

فأين يدرج المرء نص درويش " في حضرة الغياب "(2006) قياساً للأدب الفلسطيني ولنتاج الشاعر نفسه؟ هل اختلف أسلوب الشاعر كلياً عما أنتجه أدباء فلسطين؟ هل اختلف أيضاً عما أنتجه الشاعر نفسه؟

وربما كان درويش في " يوميات الحزن العادي "(1973) أول كاتب فلسطيني استخدم أسلوب ضمير المخاطب الوهمي. كان درويش المرسِل والمرسَل إليه معاً. ولقد استخدم الفعل المضارع، كما لو أن الحدث يجري اللحظة، كلما قرأ المرء ما كتبه الشاعر. ولقد كتب أدباء فلسطينيون آخرون، فيما بعد، بعض قصصهم، مستخدمين هذا الأسلوب الذي سيبرز بشكل لافت في رواياتي " ليل الضفة الطويل " و " تداعيات ضمير المخاطب "(1993 ) و " الوطن عندما يخون "(1994-1996) وفي نصوص نثرية كثيرة أبرزها " ربيع 2002 الفلسطيني " و " تفاصيل ذلك اللقاء "(2000). ولقد توقفت أمام هذا الأسلوب وأنا أدرس تطور السرد في الرواية الفلسطينية، وأشرت إلى أسقية درويش في " يوميات الحزن العادي ". وأظن أن " في حضرة الغياب " من حيث الأسلوب خرج من معطف " يوميات الحزن العادي ". وربما أعطانا درويش إجابة معقولة توضح لجوء الكاتب إلى مثل هذا الأسلوب: العزلة والهامش. كلما عاش المرء في الهامش وشعر بغربة عن الآخرين وظف هذا الأسلوب. لكأن المرء بحاجة إلى من يخاطبه، وحين يكون وحيداً يخاطب نفسه. يغني درويش وهو في شقته وحيداً. يغني وهو في الحمام، وتلك عادة يمارسها كثيرون ممن يكونون فرادى. يكون المرء هو المغني والمستمع، لكأنه يريد، بهذه الطريقة، أن يطرد شبح الوحدة، وأن ينتصر إليها.

على أن بذرة الأســلوب ليست هي الوحيدة التي تقول لنا إن " في حضرة الغياب " خارج من معطف نصوص درويش السابقة. هناك غير عبارة، غير مقولة، غير صورة، غير سؤال تنتشر في الكتاب كنا قرأناها في أشعار الشاعر وفي المقابلات التي أجريت معه. وإذا ما أراد المرء تتبع هذا فلن تكفيه صفحة واحدة أو صفحتان لتوضيح ذلك.

ربما اضطر المرء لكتابة مقالة مطولة، هذا بعد أن يعود إلى أعمال الشاعر والمقابلات التي أجريت معه ويقرأها من جديد. وسأقول بجرأة وبخسارة: لو حذف اسم درويش عن نص " في حضرة الغياب "، وطلب من القراء الذين عرفوا شعره جيداً، وأصغوا إليه يتكلم، أن يضعوا اسم مؤلف للنص، لما اختاروا غير اسم واحد: محمود درويش. هل يعد هذا مطعناً ومنقصة؟

لا أظن ذلك، فدرويش ابتداءً يسترجع أزمنة سابقة مر بها وكان كتب عنها: إنه الآن أيضاً يكتب عَنْها، ونحن يمكن أن نلاحظ الفرق في الأسلوب وفي الرؤية لتناول حدث واحد. وإذا كان أصحاب نظرية التلقي يقولون إن قراءة نص واحد في زمنين مختلفين تؤدي إلى قراءتين مختلفتين، فنحن سنستعير المقولة منهم ونحور فيها قليلاً: إن الكتابة عن حدث واحد، يمر به المرء، في زمنين مختلفين تؤدي إلى كتابين مختلفين. وهذا ما يحدث مع درويش في " في حضرة الغياب ".

سأقرأ في الكتاب " وبحثنا عن زهرتنا الوطنية فلم نجد أفضل من شقائق النعمان التي سماها الكنعانيون " جراح الحبيب ". وسأتذكر ديوانه " لا تعتذر عما فعلت "(2003) وقصيدته " نزف الحبيب شقائق النعمان ". وسأقرأ في الكتاب عن وصفه مغيب الشمس في البحر، وسأتذكر قصيدة " برتقالية " في " كزهر اللوز "(2005). هنا أكتفي بإثارة السؤال وإعطاء مثال، ولعل هناك أسئلة أخرى !!


سؤال الرحيل

كم مرة كرر محمود درويش في كتابه الجديد " في حضرة الغياب "(2006) السؤال التالي: لماذا نزلت عن الكرمل؟ ولا أدري إن كانت هناك ضرورة ما لإحصاء هذا. لقد تكرر السؤال مراراً، وكان يتكرر في حياة الشاعر كلما مرّ وهو في المنفى بظروف صعبة قاسية قاهرة. ولما كان درويش؛ الراوي والمروي والرواية، يستحضر نفسه في مراحل مختلفة، منها مراحل تعود إلى ما قبل الخروج وأخرى تعود إلى ما بعده وثالثه تعود إلى ما بعد العودة إلى رام الله، فإن السؤال سيلح عليه في المرحلتين الثانية والثالثة، في الثانية القسوة حياته في المنفى، وفي الثالثة لأنه عاد ورأى ما رأى واجتمع بمن اجتمع وعانى ما عانى، وبالتالي فإنه سيسأل نفسه هذا السؤال، لأنه لو لم يرتكب الخطأ، لما وقع في أخطاء. وربما ما وجب عليه أن يعالج الخطأ بالخطأ.

لماذا نزلت عن الكرمل؟ يخاطب درويش نفسه. إنه هنا المخاطب – بكسر العين – والمخاطَب – بفتحها – أي الراوي والمروي عليه. وكان من قبل يُسأل من الآخرين. لم يكن هو الذي وجه السؤال إلى نفسه غالبا، وربما وجهه إلى نفسه وكتم الأمر. كان الآخرون مهووسين بهذا السؤال. كأنما ارتكب جريرة كبيرة بحق نفسه. وربما يتذكر كلنا – قراء الشاعر ومن يتابعون الدراسات التي تكتب عنه – مقالة ريتا عوض: خروج الشاعر قتل له أم بعث له؟ وربما تذكر أيضاً مقالات الهجاء التي دبجت عن رحيله، من رفاقه في حلب – حيفا، ومن غيرهم. هل تذكرون قول الشاعر في قصيدة رحلة المتنبي إلى مصر؟: ولكن الرفاق هناك في حلب أضاعوني وضاعوا!.

في منتصف الثمانينيات، في القدس، دُعي المرحوم إميل حبيبي إلى ندوة ليتحدث فيها عن تجربته، وكنت مشاركاً فيها بالحضور. يومها خاض رفاق الحزب الشيوعي في قضية محمود درويش، وسألوا إميل عن رأيه في الأمر. وكانت العلاقات بين الشاعر وأدباء الداخل تتحسن، بعد أن ساءت بسبب الرحيل. وربما، دون أن أعرف درويش، وجدتني أدافع عنه. ربما لأنني كنت أقرأ شعره وأرى فيه شاعر فلسطين، وما زلت. وربما كان كثيرون يفاجأون بموقفي: لو لم يهاجر / يرحل لربما ظلت تجربته محدودة. لقد أفاد من تجربة المنفى وقال شعراً لم يقله سواه. خسرناه، في الداخل، شخصاً وربحنا شعراً وطنياً ما كان يمكن أن يبدعه.

وسؤال الرحيل الذي يلح على الشاعر في نصه الجديد تكمن بذرته في أشعاره المبكرة، ولا عجب، فدرويش يستحضر أزمنة عديدة في " في حضرة الغياب "، منها زمن ما بعد العام 1970، الزمن الذي بدأت فيه تجربة المنفى. وإذا كان زمن كتابة النص لا يتطابق والأزمنة المستحضرة، الأزمنة الغائبة، فإن دارس درويش، يمكن أن يطابق بين كل زمن مستحضر وما أنجزه في حينه من مقالات وقصائد، وهكذا يكون أقرب ديوان إلى سؤال: لماذا نزلت عن الكرمل؟ هو ديوان " محاولة رقم 7 "(1974).

السؤال المعذب في النص هو السؤال المعذب في قصيدة " النزول من الكرمل "، وفيها يعبر درويش عن غربته في العالم العربي: " حين دخلت الجامع الأموي تساءل أهل دمشق: من العاشق المغترب؟ " وفيها يحن حنيناً قاتلاً إلى الكرمل:
" أحب البلاد التي سأحب
أحب النساء اللاتي أحب
ولكن غصنا من السرو في الكرمل الملتهب.
يعادل كل خصور النساء
وكل العواصم ".

يليه ديوان " أعراس "(1977). في الديوان الأخير يكتب درويش قصيدة رثاء في راشد حسين الذي توفي في نيويورك في ظروف غامضة. يذكر درويش أنه التقى وراشدا في مطار القاهرة، وعبر كل منهما عن عدم رضاه لرحيله. لقد شعرا بغربة كبيرة في العالم العربي، حتى أن راشدا رأى في الزنزانة في الناصرة فضاءً واسعاً أوسع من العالم العربي كله:
" والتقينا بعد عام في مطار القاهرة
قال لي بعد ثلاثين دقيقة:
ليتني كنت طليقاً في سجون الناصر "

يتكرر السؤال: لماذا نزلت عن الكرمل؟ في كتاب " في حضرة الغياب " تكراراً لافتاً، وإذا كان درويش عبر في أشعاره عن ندمه، وعبر في رسائله عن رغبته في العودة، حتى لو سجن: بدي أعود، فإنه الآن يقر ويعترف بأنه أخطأ يوم الرحيل، يوم غادر فلسطين. وثمة أسئلة أخرى يثيرها الكتاب!


سؤال الزمن

سيلتفت قارئ نص محمود درويش الجديد إلى سؤال الزمن من زوايا عديدة، بعضه أثاره الشاعر وبعضها لم يثره. بعضها " توقف أمامه مباشرة وكتب عنه، وبعضها يدركه من يدرس الزمن في النصوص الأدبية، اعتماداً على مقولات المنظرين الذين أفردوا لهذا العنصر مساحات واسعة من كتبهم، بل إن بعضهم خصص كتاباً له مثل ( لانداو ) في كتابه: " الزمن والرواية ".

كم زمناً يستحضر محمود درويش في كتابه هذا الذي قسمه إلى عشرين قسماً. من المؤكد أن الزمن الكتابي متقارب، ويستطيع المرء أن يحدده، وقد يسعفه الشاعر في ذلك حين يجيب عن السؤال التالي: متى بدأت تكتب نصك؟ ومتى فرغت من كتابته؟ والزمن الأكثر تحديداً هو زمن النشر، فقد ثبته الناشر على صفحات الكتاب [2006].

نحن في النص أمام زمن الكتابة، وهو هنا يتطابق وزمن المخاطِب [ بكسر العين/الطاء ]، ولكنه لا يتطابق وزمن المخاطَب [ بفتح العين / الطاء ] فأزمنة هذا عديدة ويستطيع المرء أن يحددها، إذا ما حدد زمن الكتابة بالضبط وعرف متى ولد محمود درويش، بل ويمكن أن يرسم لها خطاطة ويوزعها على الفصول، إذا كان معنياً بذلك. كأن يكون على النحو التالي:
الزمن الكتابي
[ زمن الخطاب ] الزمن المستحضر [ زمن المخاطَب ]
2006 1946 الطفولة
2006 1948 الهجرة إلى لبنان والعودة
2006 1970 الرحيل عن حيفا
2006 1982 الخروج من بيروت
2006 1995 العودة إلى غزة
2006 1996 العودة إلى الضفة

وهكذا دواليك، علماً بأن هذه الأزمنة، وتحديداً الزمن المستحضر، ليست مرتبة ترتيباً دقيقاً هنا، كما هي هناك في النص، فأنا لم أقم بجردة حسابية هندسية دقيقة، وإنما أعتمد على قراءة أولى وثانية للنص، إذ كنت ألاحظ أن المؤلف يتدرج في استحضار الزمن، بادئاً من الطفولة منتهياً إلى الزمن الحالي زمن الكتابة.

وربما لاحظت، بناءً على معرفتي بما ألم بالشاعر من أحداث، مثل مرضه في العام 1997 أو العام 1998، أن هناك خللاً في بنية الزمن في النص، وهو ما يبدو في المقطع الثالث عشر (XIII)، حيث يكتب الشاعر عن مرضه في باريس وعملية القلب التي أجريت له. اللهم إلا إذا كان الشاعر مرض غير مرة، وخلط بينها. وإذا ما كان يكتب عن مرضه في العام 1997 فقط وجب أن يكون هذا المقطع تالياً للمقطع الذي يتحدث فيه عن عودته إلى فلسطين في العام 1996 – أي تالياً للمقطع السادس عشر.

ومن المؤكد أن الزمن المستحضر زمن إشكالي، لأن درويش لا يكتب عن أحداثه كما حدثت بالضبط، وإنما يكتب عنها كما يتذكرها، يكتب عما بقي عالقاً منها في الذاكرة، وكما يراها هو الآن، لا كما رآها طفلاً. هنا تتشابه الكتابة وكتابة السيرة الذاتية، وهنا يختلف درويش في كتابته عن كتابته في كتابيه النثريين: " يوميات الحزن العادي "، و " ذاكرة للنسيان ". في الأول الزمنان: زمن الخطاب وزمن المخاطَب متطابقان، وفي الثاني كان كذلك في أكثره، إلا في المقاطع التي كان درويش فيها يستحضر الماضي ورموزه.

وإذا ما بحث المرء عن ديوان شعري لدرويش يقترب في بنائه الزمني، من بناء " في حضرة الغياب " الزمني، فإن ضالته ستكون في ديوان " لماذا تركت الحصان وحيداً ؟ "، ففيه استحضار لأزمنة متعددة من حياته: الطفولة، والهجرة، والعودة، والسجن في فلسطين، والرحيل، واتفاقات السلام ... الخ. هنا يستحضر درويش في العام 1994 أحداثاً ماضية مر بها وشعبه. ولعل الفارق بين هذين الكتابين لدرويش وبين بقية كتبه وأشعاره أنه هنا يستحضر أحداثاً مر بها ليكتب عنها في لحظة أخرى، خلافاً للسابق حيث غالباً ما كان يكتب عن أحداث تجري في اللحظة التي يكتب فيها عنها. بمعنى آخر في هذين الكتابين لا يتطابق الزمنان: الكتابي والشعري، خلافاً للكتب السابقة: الدواوين الشعرية والنثر، حيث كان الزمنان يتطابقان. وهذا ما أوضحته في دراسات عديدة عن الشاعر.

في أثناء قراءة " في حضرة الغياب " و " لماذا تركت الحصان وحيداً ؟" يستحضر المرء مقولة نظرية التلقي محوراً فيها. فإذا كان أصحابها يقولون: إن قراءة نص واحد من القارئ نفسه في زمنين مختلفين تؤدي إلى قراءتين مختلفتين، فإنني أقول: إن الكتابة، عن حدث واحد يمر به المرء، في فترتين مختلفتين، تؤدي إلى كتابتين مختلفتين. وربما تذكرت هنا ما كتبته عن رواية إلياس خوري " يالو "، هذا الذي يطلب منه أن يكتب سيرة حياته غير مرة، فيضيف ويحذف ويغير في الأسلوب.

ويلتفت درويش في كتابه / نصه " في حضرة الغياب " إلى الزمن، لا من الزاوية التي كتبت عنها، وإنما من زاوية أخرى. يلتفت إلى نظرته للزمن شاباً، ونظرته إليه الآن، ويعقد فصلاً من فصول الكتاب لهذا، هو الفصل العاشر، وإن لم تخل فصول أخرى من الإشارة إليه. كان الزمن، ودرويش شاباً، يسير بطيئاً، لكنه أخذ، ودرويش كبيراً، يسير سيراً سريعاً. وهذا ما يقوله في المقطع الأخير:
" الزمن نهر سلس لمن لا ينتبه إليه، وحشي شرس لمن يحدق إليه، فتخطفه الهاوية "(174).

لعل هذه المقالة خطاطة للكتابة عن الزمن ليس أكثر !!!

سؤال الكتابة

وأنا أدرس الطلاب نصوص درويش أتوقف أمام لغته التي أنجزت عنها ذات نهار – دراسة مطولة تحت عنوان " محمود درويش ولغة الظلال "، وفيها توقفت أمام دراسة شاكر النابلسي " مجنون التراب "، ودراسة أخرى للناقد المصري د. محمد عبد المطلب تناول فيها دال البحر في أشعار الشاعر.

سيظل سؤال اللغة، وسؤال الشعر، سؤالين مؤرقين للشاعر ولقرائه أيضاً. ما من ديوان شعر أصدره الشاعر منذ " أعراس "(1977) خلا من سؤال الشعر. ومن من مقابلة أجريت مع الشاعر إلا سأله أصحابها عن الشعر واللغة. وما من دارس لأشعار الشاعر إلا أتى، من قريب أو من بعيد، على سؤال اللغة وسؤال الشعر. الغموض والوضوح. الشاعر والجمهور. وسأنجز شخصياً دراسة عن تنظير الشاعر، في أشعاره، للشعر، وسأنشرها في مجلة الأسوار في عكا في العام 2004.

سأسأل طالبة متخصصة في البلاغة، بعد أن أخبرتني عن تخصصها، عن المجاز في قول درويش، في قصيدته " نزل على بحر " من ديوان " هي أغنية .. هي أغنية "(1986):
" كم قمرْ
أهدى خواتمه إلى من ليس منّا "

وستحار الطالبة، تماماً كما يحار الطلبة أنفسهم، في مرحلة البكالوريوس، حين أطلب منهم أن يشرحوا لي المعنى. وحين أطلب منهم أن يستبدلوا كلمة رجل ( أو امرأة ) بكلمة قمر، سرعان ما تزول الدهشة والحيرة، فالكلام الذي ظنوه غامضاً يبدو لهم سهلاً وممكناً جداً، بل إنه كلام أقرب إلى الوضوح منه إلى الغموض.

في " في حضرة الغياب " يسلم الكاتب قراءه مزيداً من المفاتيح لقراءة أشعاره وكان في " ذاكرة للنسيان " أتى على هذا، حين أورد لنا حواراً جرى بينه وبين مقاتل سأله عن معنى البحر في شعره، لأن البحر ذو دلالة رمزية، كما فهم المقاتل من قراء أشعار الشاعر. وهناك، في الحوار، كان الشاعر يحار في تفسير شعره، فقد قال إنه يعجز عن تفسير شعره، أو إنه يعجب من عجب المقاتل لعجز الشاعر عن تفسير شعره. هنا في " في حضرة الغياب " تزول الحيرة، ويدرك الشاعر جيداً من أين تأتي الاستعارة، من أين يأتي المجاز.

حين يستحضر الشاعر طفولته وهجرته من فلسطين إلى لبنان، وعودته إلى فلسطين، بواسطة سمسار حنين، يلفت نظرنا إلى ما كان أهله يقولونه له، حين يرون الدوريات الإسرائيلية. ولم يكونوا يقولون ما يقولون بلغة مباشرة. كانوا يخيفونه من الضبع، فيعجب، هو الطفل، كيف يقود الضبع سيارة، ويعقب: " لم تعرف المجاز بعد، فلم تعرف أن الضبع هو " حرس الحدود "(ص44). وكان قبل هذه الصفحة بصفحات أتى على تعلمه القراءة. كان يقرأ ولا يفهم ما يقرأ، ومع ذلك كان يواصل القراءة مستمتعاً " بقدرة الكلمات على الاختلاف عن العادي "(ص30) و " ثمة شيء يتزيّا بالغامض، لا يشم ولا يلمس ولا يتذوق ولا يبصر، هو ما يجعل الطفولة حاسة سادسة " وهذا ما جعلهم يسمون الشاعر بالحالم " من فرط ما ركبت للكلمات من أجنحة لا يراها الكبار، وتحرشت بالغامض واغتربت "(ص31).

ودرويش الذي بدأ شاعراً ملتزماً بقضايا وطنه، وبقضاياه القومية والأممية، وكان مهتماً بسؤال الموضوع، أكثر من اهتمامه بسؤال الشكل، فهو القائل:
" قصائدنا، بلا لون
بلا طعم .. بلا صوت !
إذا لم تحمل المصباح من بيت إلى بيت!
وإن لم يفهم البسطا معانيها
فأولى أن نذريها
ونخلد نحن .. للصمت "

درويش ظل مؤرقاً بسؤال الموضوع .. وسؤال الفن. وهذا ما يبرز في " أعراس "(1977)، وتحديداً في قصيدة " وتحمل عبء الفراشة "، وهذا ما يبرز أيضاً في " جدارية "، وإن اختلف درويش في هذه، عن درويش في " أوراق الزيتون "(1964)، فالشاعر الذي كانت كلماته أعاصير وزلازل، ما عاد النبي ليدعي وحياً، وغدا الشعر، بصوره وموسيقاه، يعذبه ويؤرقه. وفي " في حضرة الغياب " يبدو درويش بنيوياً أكثر مما يبدو ماركسياً يسير وفق خطى المنهج الاجتماعي الذي يعطي الأولوية للمحتوى.

يكتب درويش عن فهمه للشعر في شبابه: " وعندما اشتد عودك صار يبدو لك أنك أبو أبيك، ويبدو لك أن للشعر قدرة على إجراء تعديل ما في المصائر، فرحت تبني بيوتاً خيالية من حطامك ومن أسماء النبات والجماد، ليقف المكان مكانه، وتعود الحياة إلى ما يشبه الحياة "(ص163).

غير أن الشاعر، بعد ذلك، ما عاد يسأل: ماذا أكتب؟، بل كيف أكتب؟ (ص99). هل غدا الشاعر بنيوياً بالكامل؟ لا أظن ذلك، وقد لا أذهب بعيداً حين أقول إنه ما زال يسأل: ماذا أكتب؟ وإن طورها إلى كيف، ليتلازم السؤالان معاً.

سؤال النوع

عرف درويش شاعراً بالدرجة الأولى، وقرّ قراره على أن يخلص للشعر، وأن يكون شاعراً أولاً، علماً بأنه كتب المقالة بنوعيها: الأدبية والصحفية، حين كان كاتباً في " الاتحاد " الحيفاوية، ومحرراً في " الجديد " الحيفاوية أيضاً، وحين غدا كاتباً في " شؤون فلسطينية " وفي " السفير اللبنانية " ولما أقام في باريس تبادل الرسائل مع سميح القاسم، ونشر له وللقاسم كتاب في هذا النوع الكتابي.

وقارئ شعره يلحظ أحياناً اختلاط الشعر بالنثر، وإن كان هذا قليلاً في أشعاره الأولى، وفي مقالاته الأولى، ذلك أنه شاعر يأسره الإيقاع. ولعل بوادر النثر في الشعر بدت في " أحبك أو لا أحبك "(1971)، وكتابة المقالة التي لا تخلو من روح شاعرية بدت في " يوميات الحزن العادي "(1973)، وتوطدت في " وداعاً أيتها الحرب، وداعاً أيها السلم "(1974). وستكون مجموعته الشعرية " سرير الغريبة "(1999) من أفضل النماذج التي كتبها، واختلط فيها الشعر بالنثر، وكان سؤال النثر والشعر بدأ يلح على ذهن الشاعر، وقد بلغ مداه حين صدّر ديوانه " كزهر اللوز أو أبعد "(2005) بمقولة التوحيدي التي التفت إليها بعض من كتبوا عن الديوان: " أحسن الكلام ما قامت صورته بين نظم كأنه نثر، ونثر كأنه نظم ... "، وربما احتاج موقف درويش من النثر والشعر، وموقف النقاد من هذا، ورأي درويش في قصيدة النثر، وقد أتى على هذا في مقابلات عديدة، ربما احتاج هذا كله إلى وقفة مطولة.

في " في حضرة الغياب " الذي صدره درويش ببيت شعر لمالك بن الريب، لا دلالة له بالشعر والنثر كما هو الحال في " كزهر اللوز .. أو أبعد "، وإنما له دلالة بالبعد – أي الابتعاد عن الحاضر والغوص في الماضي البعيد للمتكلم ولمن استعار قوله، حيث يبعد درويش عن حاضره ويعود إلى طفولته، إلى ستين عاماً خلت، في " حضرة الغياب " يختار درويش كلمة " نص " ليحدد ( الجندر ) ( النوع ) ( الجنس ) الأدبي لكتابه. ومن يقرأ كتاباً مثل " دليل الناقد الأدبي " للناقدين سعد البازعي وميجان الرويلي، يقرأ تعريفات عديدة لمفردة النص، فهناك النص المغلق، وهناك النص المفتوح، وهناك خصائص لكل منهما، وقد يختلف الدارسون حولها. ودرويش اكتفى بكلمة واحدة هي " نص " ولم يتبعها بكلمة أخرى، ربما يريد أن يترك هذا للدارسين.

وإذا كان بعض النقاد العرب القدامى لم يميزوا بين الشعر والنثر على أساس الوزن والقافية، وهذا ما يقوله أيضاً نقاد محدثون، إذ هناك كلام موزون مقفى لا يدخل في باب الشعر، وهناك كلام ليس موزوناً ومقفى ولكنه أقرب إلى الشعر منه إلى النثر، إذا كان بعض النقاد القدامى وبعض النقاد الجدد يقولون هذا، فأين ندرج نحن " في حضرة الغياب "؟

ربما رأى فيه قراء كثر شعراً أكثر مما رأوا فيه نثراً. ربما. وربما رأى فيه آخرون تزاوجا بين الشعر والنثر، فهناك صفحات أقرب إلى النثر، وهناك مقاطع أقرب إلى الشعر. وربما تذكرنا هنا كتابات درويش التي نشرها في الكرمل، ثُمَّ عاد إليها وحذف منها ما حذف، وأعاد نشرها في مجموعات شعرية، مثل كتابته في رثاء ماجد أبو شرار " صباح الخير يا ماجد ". لقد أعاد نشر ما نشره ابتداء في " الكرمل " في " حصار لمدائح البحر "، ومن يقارن بين الصيغتين يلحظ الاختلاط، ويلحظ أن نص درويش الجديد " في حضرة الغياب " أقرب إلى الصيغة الأولى لنص " صباح الخير يا ماجد ". ( هذا أيضاً يدخل في سؤال السلالة ).

في صفحات عديدة يحدد درويش، خلافاً لما كتبه على صفحة الغلاف، نوع كتابه الجديد، بوعي أو دون وعي، وينعته بأنه خطبة. ( الصفحات: 167، 171، 173، 177، 180 ). وكان الشاعر استخدم هذه المفردة، وهو يكتب الشعر ونصوصاً أخرى. على سبيل المثال كتب مرة في أوساط الثمانينيات، على صفحات " اليوم السابع " ( باريس ) مجموعة نصوص تحت عنوان " من خطب الدكتاتور الموزونة "، ولم ينشرها حتى اللحظة في كتاب. ونشر في مجموعة " أحد عشر كوكباً " (1992) قصيدة عنوانها " خطبة الهندي الأحمر " ما قبل الأخير، أمام الرجل الأبيض ". إنها خطبة موزونة، إنها شعر، وهي تختلف عن مفردة كلمة وخُطَب في نصوصه " من خطب الدكتاتور الموزونة "، فلفظة الجمع خُطب مفردها خطاب، لا خطبة. ودرويش في نصه الجديد " في حضرة الغياب "، لا يستخدم كلمة خطاب، وإنما يستخدم كلمة خطبة. وهكذا نجده، في نهاية نصوصه يحدد نوع الجنس الأدبي لكتابه.

هل كتاب درويش إذن ليس شعراً وليس نثراً وليس مقالة وليس رسالة؟ هل هو نص أم خطبة؟

سأدعو لدرويش بطول العمر، وسأتذكر وأنا أقرأ نصه أمرين اثنين، أولهما أنه حين كتب جدارية كتبها كما لو أنها خاتمة نصوصه التي يكتبها، وثانيهما – ولا أدري لماذا، وربما لأنني قرأت كلمة خطبة مراراً في نهاية النص – أنني تذكرت خطبة الوداع للرسول. هل يودعنا درويش؟ سأدعو له بطول العمر

 

خريطة الموقع من نحن
عمارة ابراج الوطنية - الشرفة - البيرة - فلسطين
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة محمود درويش ويمكن الاستفادة من الموقع شريطة الاشارة الى المصدر