طباعة


تاملات سريعة في مدينة قديمة وجميلة

 تأملات سريعة في مدينة قديمة وجميلة


على ساحل البحر الابيض المتوسط


لتكنْ أُمَّا لهذا البحرِ ,

أوْ صرختَهُ الأولى على هذا المكانِ

....وليكُنْ أَنَّ الذي شَيَّدها من موجةٍ

أقوى من الماضي ومن ألف حصانِ

....وليكُنْ أن التي نامتْ على وردتها الأولى

فتاةٌ من بلاد الشام ....

ما شأني , وما شأنُ زماني

بهواءٍ لم يُجَفِّف دَمِيَ العاري,

وما شأني أنا

بسماء لا تُغَطِّيني بطير أو دخانِ؟

ما الذي يجعلني أقفزُ من هذا الأذانِ

لأُصلِّي للَّذي عَلِّمها أسماءَهُ

ثُمَّ رماني للأغاني .

... فلتكُنْ هذي المدينةْ

أُمَّ هذا البحر ,  أو صَرْخَتَهُ الأُولى

علينا أن نُغَنِّي لانكسار البحر فينا

أو لقتلانا على مرأى من نمضي إلى كُلِّ المواني

قبل أن يَمتَصَّنا النسيانُ,

لا شيء يُعيدُ الروحَ في هذا المكان


نَحْنُ أوراقُ الشَّجَرْ,

كلماتُ الزمنِ المكسورِ ’ نَحْنُ

النايُ إذ يبتعدُ البيتُ عن الناي . ونَحْنُ

الحقلُ إذ  يمتدُّ في اللوحةِ ... نحنُ

نحن سوناتا على ضوء القمرْ

نحن لا نطلب من مرآتنا

غيرَ ما يُشبهنا,

نحن لا نطلب من أرض البشَرْ

موطئاً للروحِ ,

نحن الماءُ في الصوت الذي سوف ينادينا

فلا نسمعُ . نحن الضفة الأخرى لنهرٍ بين صوت وحَجَرْ

نحن ما تنتجُهُ الأرضُ التي ليستْ لنا

نحن ما نُنتجُ في الأرض التي كانت لنا

نجن ما نترك في المنفى وفينا من أثَرْ

نحن أعشابُ الإناءِ المنكسِرْ

نحن ما نحن وَمَنْ نحنُ ’ فما جدوى المكان ؟

وعلينا أن ندور الآن حول الكُرَةِ الأرضيَّةِ الحبلى بمن يُشبهها ,

وبمن يُسقطها عن عرشها العالي

لكي نُدْفَنَ في أيِّ مكانِ


ألِفّ . باءُ . وباءْ

كيف كُنَّا نقضم الأرضَ

كما يقضمُ طفلٌ حَبَّة الخوخِ

ونرميها كما يُرمى المساءْ

في ثياب الزانيهْ !


ألِفٌ . جيمٌ . وياءْ

كيف كنا ندخُلُ الضوءَ

كما يدخُلُ في القمح الغناءْ

ونَعُدُّ الشهداءْ

مثلما كنا نُعُدُّ الماشيهْ !


ألِفٌ . دالٌ. وياءْ

قد دخلنا الهاويهْ

دون أنْ نهوي ’ لأَنَّ السنبلهْ

تسند العُشَّاق إن مالوا ....

تَمَهَّلْ يا نشيدي

ريثما يَتَّحِدُ القلبُ بحدِّ المقصلهْ

ريثما أكْسر قُفْلَ الهاويهْ !


أيُّ شيء يخمشُ الروحَ هنا

أيُّ شيء يخمش الروحَ؟

وما

شأني

أنا

بيدٍ تفتَحُ بابَ الفجرِ للقهوةِ؟

ما شأني أنَا؟

نارنجةٌ تَضحكُ كي تضحكَ...

شمسٌ تفتح الوردة كي تفتحها...

لا شيء ’ لا شيء ’ بياضْ...

وبياض آخرٌ يُولد من هذا البياضْ...

رأس هانيبال ’ أو خاتَمُ انطونيو, وسروال الأميرةْ

حَجَرٌ يشهد أنَّ الناس مَرُّوا من هنا

حَجَرٌ ’ أو نصفهُ , يشهد أنَّ الناس ماتوا

حَجَرٌ يشهد أني ذكرياتٌ كلماتٌ ذكرياتُ

قَمَرٌ ’ أَو نصفُهُ ’ يتبع أنثاهُ...

سُفُوحٌ تشربُ البَحْرَ . قَطَاةُ

قطَطٌ بيضاءُ. دِفلى رفعتها الأُغنياتُ

ثابتُ هذا الزوالْ’

زائلٌ هذا الثباتُ

((والذي أعرفه أجهلُهُ))

((والذي أجهله أعرفه )) بعد الأوانِ

وفتاةٌ تقسمُ الفجر بساقيها سريرينِ

ولا تدخل إلا الغامضَ الغامضَ


....لا شيء يُثير الروحَ في هذا المكانِ


ساحِلٌ كالأفعى على أجراس خصر الراقصةْ

وملوكٌ تَوَّجوا البحر بإكليل الزَبَدْ

أَيُّ شيء ينتهي في هذه اللحظةِ,

في هذا الجَسَدْ؟

أَي شيء يبتدئْ؟

قد أكلنا البحرَ في رحلة صيدٍ يائسهْ

أيُّ شيء ينتهي

أي شيء يبتدئْ

بَلَدٌ يُولَدُ من قبر بَلَدْ

ولصوصٌ يعبدون الله

كي يعبدهم شَعْبٌ...

ملوكٌ للأبدْ

وعبيدٌ للأبدْ

لا أحدْ

يسأل القصير : ما شأني أنا

بَوَليِّ العهدِ ’ أوْ هَذا البلدْ ؟

آه ,

ما

شأني

أنا

ما دامتِ الروحُ هنا

فحمة في موقد السلطانِ...

لا شيء يهزُّ الروح في هذا المكانِ

ألفُ شُبَّاك على البحرِ الذي قد أغرَقَ الإغريقَ

كي يُغرقنا الرومانُ

بيضاءُ هي الجدرانُ

زرقاءُ هي الموجةُ

سوداءُ هي البهجةُ

والفكرةُ مرآةُ الدماء الطائشهْ

فلتُحَاكَمْ عائشهْ

ولتُبَرَّأْ عائشهْ

آه ’ لا شيء يثير الروح في هذا المكانِ


... ولتكُنْ هذي المدينةْ

جَدَّةَ الدنيا وما شاءَتْ وما شاءتْ

فما شأني أنا ؟ كلُّ صباحٍ

لم يجئني أوَّلاً ليس صباحي !

لا...

وما شأني أنا ؟ كلُّ رياحٍ

لم تُكَسِّرْني مَدَى ليستْ رياحي !

لا...

وما شأني أنَا ؟ كلُّ جراحٍ

لم تَلِدْ فيَّ إلهاً طَازجاً ليست جراحي !

لا...

وما شأني أنَا؟

أيُّ سلاح في يدي

لا يُرْجِعُ الخبزَ إلى حنطته ليس سلاحي !

.. وليكُنْ أنَّ الذي شيَّد هذا السورَ جَدِّي

أو عَدُوِّي.

...وليَكُنْ أنَّ الذي سمَّى المدينهْ

فارسٌ

أو عاشقٌ

أو لا أحدْ

...وليَكُنْ أنَّ عيون الياسمينهْ

تَحْفَظُ الأسرار منذ انبجستْ حَوَّاءُ...

ما شأني أنا الضائع ما بين سماءٍ وَحَجَرْ

بقضاءِ

لم أُطَّيرْ فيه أسراب حمامي ,

لم أُدخِّنْ فيه أحلامي’

ولم أصطدْ قَمَرْ...

كُلُّ غُصْنٍ لم يُقَلِّدْ لعبتي الأُولى ,

ولم يجرح يدي ليس شَجَرْ

وليَكُنْ ما كان ,

لا شيء يهزُّ الروح في هذا المكانِ


المكانُ الرائحةْ

قهوةٌ تفتح شُبَّاكاً غُموضُ المرأة الأولى

أبٌ عَلَّق بحراً فوق حائطْ

المكانُ الشَهَواتُ الجارحةْ

خطوتي الأولى إلى أول ساقين أضاءا جسدي

فتعرَّفْتُ إليه وإلى النرجس فيّ

المكان المَرَضُ الأوَّلُ....

أُمٌّ تعصُرُ الغيمةَ كي تغسل ثوباً . والمكانْ

هو ما كان وما يمنعني الآن من اللهوِ

المكانُ الفاتحةْ,

المكانُ السَنَةُ الأولى . ضجيجُ الدمعة الأُولى

التفاتُ الماء نحو الفتيات . الوَجَعُ الجنسيُّ في أوَّلِهِ, والعَسَلُ المُرُّ

هُبوبُ الريح من أُغنيَّةٍ . صخرةُ أجدادي وأُمِّي الواضحةْ

المكانُ الشيءُ في رحلته منِّي إليَّ

المكانُ الأرضُ والتاريخُ فيَّ

المكانُ الشّيء إنْ دَلَّ عليَّ

آهِ , لا شيءَ يضيءُ الاسم في هذا المكانِ

..... وسلاماً أيها البحرُ المريضْ

أيها البحر الذي أَبْحَرَ من صور إلى إسبانيا

فوق السُفُنْ

أيها البحر الذي يسقط مِنَّا كالمُدُنْ !

ألفُ شُبَّاك على تابوتك الكحليِّ مفتوحٌ

ولا أبصر فيها شاعراً تسندُهُ الفكرةُ ,

أو ترفعُهُ المرأةُ....

يا بحر البدايات , إلى أين تعودْ

أيها البحر المحاصرْ

بين إسبانيا وصورْ

ها هي الأرض تدورْ

فلماذا لا تعود الآن من حيث أتيتْ؟

آه ,مَنْ يُنْقِذُ هذا البحرَ

دَقَّتْ ساعة البحرِ

تراخي البحرُ

من يُنْقِذُنَا من سَرَطَان البحرِ

مَنْ يُعْلِنُ أنَّ البحرَ مَيِّتْ؟!

....وسلاماً أيها البحر القديمُ,

أيها البحر الذي أَنْقَذَنا من وحشة الغاباتِ

يا بحرَ البدايات...[يغيبُ البحرُ]

يا جُثًّتَنا الزرقاءَ , يا غبطتنا , يا روحنا الهامدَ من يافا إلى قرطاج , يا إبريقنا المكسور , يا لوح الكتابات التي ضاعت

بَحَثْنَا عن أساطيرِ الحضارات

فلم نُبْصِرْ سوى جمجمة الإنسان قرب البحرِ....

يا غبطتنا الأولى ويا دهشتنا –

هل يموتُ البحرُ كالإنسان في الإنسان

أمْ فِي البحرِ؟

لا شيء يثير البحرَ في هذا المكانِ

حين نعتادُ الرحيلْ

مَرَّةً

تصبح كُلُّ الأمكنهْ

زَبَداً نطفو عَلَيهْ

ونميلْ

كلما مالَت بنا الريحُ

ونعتادُ بُكاء الأحصنهْ

حين نعتاد الرحيلْ

مَرَّةً

تصبح كُلُّ الأزمنهْ

لحظةً للقتل

كم مُتنا وكم مُتنا,

وكان الكَهَنَهْ

خَدَماً للسيف منذ المعبد الأوَّلِ

حتى آخر الثورات’

والعاشقُ عَبْدَ السوسنهْ

....وسلاماً يَتُها الأرضُ الأسيرةْ

يا التي كانت عقابَ الله فينا

ثم صارت جَنَّةَ الله الصغيرةْ....

من سيحتاجُ ضحيَّه

ليرى البحر أمَامَهْ؟

من سيحتاج يمامهْ

ليُرَبِّي طفلَهُ في البندقيةْ؟

من سيحتاج الضحيّةْ

ليكون السيِّد الأوحد في روما الأخيرةْ؟

من سيحتاج القيامةْ

ليرى قاتلَهُ – التوأمَ مجهولَ الهويّةْ؟

مَنْ سيَحتاجُ البقيةْ

مَنْ

سيحتاجُ

البقيَّةْ؟

ها هي الأرضُ بما فيها وَمَنْ يمشي عليها

بندقيَّةْ

ها هي الأرض لروما

ولروما دَقَّتِ الساعةُ

دَقَّتْ

كُلُّ يومٍ آخرُ الأيامِ , والأحلامُ نارٌ معدنيَّةْ

.....فسلاماً يَتُهَا الأرض / الضحيَّةْ !


كُلُّ مَنْ يَرْحَلُ في الليل إلى الليل – أنا

كُلُّ مناي قَسَمَ الحقلَ إلى اثنين :

مُنادٍ ومنادَّى لا يناديه – أنا

كُلُّ ما يُعجبني يحتلُّهُ الظلُّ هنا

كُلُّ مَنْ تَطلُبُ منَّي قُبلةً عابرةً

تسرق روحي... وخُطاي

كُلُّ طَيرٍ عابرٍ يأكُلُ خبزي من جروحي

ويُغني لسواي

كُلُّ مَنْ يضربه الحبُّ يناديني

لكي يزداد أعدائي ... فراشةْ

كُلُّ مَنْ تلمس نهديها لكي يخمش عصفوران قلبي...

تتلاشى

كُلُّ جدعٍ لَمَستْهُ راحتي طار سحابهْ

كُلُّ غيمٍ حطَّ في أُغنيتي صار كآبهْ

كُلُّ أرض أتمنَّاها سريراً

تتدلّى مشنقهْ

....وأُحبَّ إذ يبتعد الحبُّ,

أُحبُّ الزنبقهْ

عندما تذوي على كفِّي وتنمو في نشيدي فانتظرني يا نشيدي

رُبَّما نحفر في هذا المكانِ

موطئاً للروح من أجل غريبين يمرَّانِ على الأرض

ولا يلتقيانِ

آه ’ من هذا المكانِ

آه ’ لا شيء يهزُّ القلب في هذا المكانِ


نَحْنُ ما نحن عَلَيهْ,

نحن جيل المجزرةْ

أُمَّةُ تَقْطَعُ ثَدْيَيْ أُمِّهَا.

أُمِّةٌ تَقتلُ راعي حُلْمها

في الليالي المقمرةْ

دون أن تبكي عليهْ


أيْن ظلُّ الشجرةْ؟


نحن ما نحن عليهْ

نحن مَنْ كُنَّا لنا

نحن مَنْ صرنا .... لِمَنْ؟

فارسٌ يُغمد في صدر أَخِيِه

خنجراً باسم الوطنْ

ويُصَلِّي لينال المغفرةْ




أين شَكْلُ الشجرةْ؟

نحن ما نحن عليه الآن ,

ماتوا لأُغنِّي

أَم ليبنوا خيمةً من أجل نايْ؟!

كلما سارتْ خطايَ

خلفهم , قبل خطايَ

انفتحتْ صحراءُ من أجلي ,

وماتتْ قُبِّرةْ


أين جذعُ الشجرةْ؟


نحن ما نحن عليهْ

قاتِلّ مَنْ شهد القَتْلَ ولم يشهد عليهْ

غَيَّروا اسماءَهُ

واستبدلوا شارةَ نصري

يدمي فوق يديهْ

وضعوا عينيِّ كي أشهد أني لم أرَهْ

أيْنَ ... أيْنَ الشجرةْ؟


نَحْنَ ما نَحْنُ عليهِ,

موتُنا لا موتَ فيه الآن لا يبتدئ النهرُ من السرجِ ولا لا يشرئبُّ الشَبَقُ

العالي ليخفي جبلاً في ساعدٍ لا يتدلَّى من نشيدي شَفَقُ الدين النحاسيِّ

ولا يصطفُّ شعبٌ في جحيم اللذة الكبرى...

((أسأنا لك يا شعبي ))

أسأنا للنباتات التي تخفيكَ عنا

موتُنا لا موت فيه الآن لا إيقاعَ للصخرة لا صخرةَ في حادثنا المائيِّ

فلنذهبْ إلى ما ليس فينا كي نرى ما ليس فينا ليس فينا دعوةٌ للناس من مذبحةٍ نمشي إلى لكي نهتفَ:

مرحى ! ها هي الوردةُ .... فلنسجدْ

((أسأنا لَكَ يا شعبي ))


يا شعبَ نشيدي , منذ جاءَ الربُّ من فكرته مَشْياً إلى القدس , ولا صخرةَ نبني فوقها أصواتنا أو صلواتٍ تطلب الغفرانَ....

نحن الآن ما نحن عليهِ

كُلَّمَا قَامَ نبيُّ من ضحايانا ذبحناه بأيدينا بأيدينا ,

ولي حُرِّية القولِ

وللكاهن حَقُّ القتل

لي حقُّ العصافير

وللقاضي حُدُودُ الأُّفق الوارفِ

لي شرعيَّةُ الحُلْمِ

وللجلاَّدِ أن يسمعني أو يفتح الباب لكي تهرب أحلامي

ولي حُرَّيتي حريتي أن أكتب الحاء كما شئتَ

وأن أقفز من حرف إلى حرفٍ

وأن أقطع كفّي كي أُسمِّي زمني

لا موتَ في الموت الذي يتبعني كالظلِّ,

أو ينزلقُ الآن على جسمي كأنثى حرمتني لذّة الحرمانِ,

لاَ يَخْرُجُ مِني حُلُمٌ إلاّ لكي يُضْحِكَني

أو يُضْحِكَ الناس علَى شخص يَجُرُّ الحُلْمَ كالنَّاقَةِ في سوق الغواني ليس هذا الموت موتاً لا ولا أَعرفُ شيئاً  عن بداياتي لهذا أتمني أن أُحاذي النهر حتى أصبحَ النهرَ ولا لا أستطيعُ الموت في الموتِ الذي لا موت فيهِ

حَجَرٌ روحي ,

وأُنثايَ وَحُلْمي حَجَرٌ

لا أشتهي أن اشتهيهِ

حَجَرٌ لا لونَ فِيه

حَجَرٌ ليلي ,

وظلِّي حَجَرٌ يندسُّ ما بيني وبيني

حَجَرٌ خبزي

نبيذي حَجَرٌ

لا أستطيعُ الموتَ في الموت الذي

لا موت فيه الآن....


لا شيء يثير الموتَ في هذا المكانِ .

تأملات سريعة

في مدينة قديمة وجميلة

على ساحل البحر الأبيض المتوسط


لتكنْ أُمَّا لهذا البحرِ ,

أوْ صرختَهُ الأولى على هذا المكانِ

....وليكُنْ أَنَّ الذي شَيَّدها من موجةٍ

أقوى من الماضي ومن ألف حصانِ

....وليكُنْ أن التي نامتْ على وردتها الأولى

فتاةٌ من بلاد الشام ....

ما شأني , وما شأنُ زماني

بهواءٍ لم يُجَفِّف دَمِيَ العاري,

وما شأني أنا

بسماء لا تُغَطِّيني بطير أو دخانِ؟

ما الذي يجعلني أقفزُ من هذا الأذانِ

لأُصلِّي للَّذي عَلِّمها أسماءَهُ

ثُمَّ رماني للأغاني .

... فلتكُنْ هذي المدينةْ

أُمَّ هذا البحر ,  أو صَرْخَتَهُ الأُولى

علينا أن نُغَنِّي لانكسار البحر فينا

أو لقتلانا على مرأى من نمضي إلى كُلِّ المواني

قبل أن يَمتَصَّنا النسيانُ,

لا شيء يُعيدُ الروحَ في هذا المكان


نَحْنُ أوراقُ الشَّجَرْ,

كلماتُ الزمنِ المكسورِ ’ نَحْنُ

النايُ إذ يبتعدُ البيتُ عن الناي . ونَحْنُ

الحقلُ إذ  يمتدُّ في اللوحةِ ... نحنُ

نحن سوناتا على ضوء القمرْ

نحن لا نطلب من مرآتنا

غيرَ ما يُشبهنا,

نحن لا نطلب من أرض البشَرْ

موطئاً للروحِ ,

نحن الماءُ في الصوت الذي سوف ينادينا

فلا نسمعُ . نحن الضفة الأخرى لنهرٍ بين صوت وحَجَرْ

نحن ما تنتجُهُ الأرضُ التي ليستْ لنا

نحن ما نُنتجُ في الأرض التي كانت لنا

نجن ما نترك في المنفى وفينا من أثَرْ

نحن أعشابُ الإناءِ المنكسِرْ

نحن ما نحن وَمَنْ نحنُ ’ فما جدوى المكان ؟

وعلينا أن ندور الآن حول الكُرَةِ الأرضيَّةِ الحبلى بمن يُشبهها ,

وبمن يُسقطها عن عرشها العالي

لكي نُدْفَنَ في أيِّ مكانِ


ألِفّ . باءُ . وباءْ

كيف كُنَّا نقضم الأرضَ

كما يقضمُ طفلٌ حَبَّة الخوخِ

ونرميها كما يُرمى المساءْ

في ثياب الزانيهْ !


ألِفٌ . جيمٌ . وياءْ

كيف كنا ندخُلُ الضوءَ

كما يدخُلُ في القمح الغناءْ

ونَعُدُّ الشهداءْ

مثلما كنا نُعُدُّ الماشيهْ !


ألِفٌ . دالٌ. وياءْ

قد دخلنا الهاويهْ

دون أنْ نهوي ’ لأَنَّ السنبلهْ

تسند العُشَّاق إن مالوا ....

تَمَهَّلْ يا نشيدي

ريثما يَتَّحِدُ القلبُ بحدِّ المقصلهْ

ريثما أكْسر قُفْلَ الهاويهْ !


أيُّ شيء يخمشُ الروحَ هنا

أيُّ شيء يخمش الروحَ؟

وما

شأني

أنا

بيدٍ تفتَحُ بابَ الفجرِ للقهوةِ؟

ما شأني أنَا؟

نارنجةٌ تَضحكُ كي تضحكَ...

شمسٌ تفتح الوردة كي تفتحها...

لا شيء ’ لا شيء ’ بياضْ...

وبياض آخرٌ يُولد من هذا البياضْ...

رأس هانيبال ’ أو خاتَمُ انطونيو, وسروال الأميرةْ

حَجَرٌ يشهد أنَّ الناس مَرُّوا من هنا

حَجَرٌ ’ أو نصفهُ , يشهد أنَّ الناس ماتوا

حَجَرٌ يشهد أني ذكرياتٌ كلماتٌ ذكرياتُ

قَمَرٌ ’ أَو نصفُهُ ’ يتبع أنثاهُ...

سُفُوحٌ تشربُ البَحْرَ . قَطَاةُ

قطَطٌ بيضاءُ. دِفلى رفعتها الأُغنياتُ

ثابتُ هذا الزوالْ’

زائلٌ هذا الثباتُ

((والذي أعرفه أجهلُهُ))

((والذي أجهله أعرفه )) بعد الأوانِ

وفتاةٌ تقسمُ الفجر بساقيها سريرينِ

ولا تدخل إلا الغامضَ الغامضَ


....لا شيء يُثير الروحَ في هذا المكانِ


ساحِلٌ كالأفعى على أجراس خصر الراقصةْ

وملوكٌ تَوَّجوا البحر بإكليل الزَبَدْ

أَيُّ شيء ينتهي في هذه اللحظةِ,

في هذا الجَسَدْ؟

أَي شيء يبتدئْ؟

قد أكلنا البحرَ في رحلة صيدٍ يائسهْ

أيُّ شيء ينتهي

أي شيء يبتدئْ

بَلَدٌ يُولَدُ من قبر بَلَدْ

ولصوصٌ يعبدون الله

كي يعبدهم شَعْبٌ...

ملوكٌ للأبدْ

وعبيدٌ للأبدْ

لا أحدْ

يسأل القصير : ما شأني أنا

بَوَليِّ العهدِ ’ أوْ هَذا البلدْ ؟

آه ,

ما

شأني

أنا

ما دامتِ الروحُ هنا

فحمة في موقد السلطانِ...

لا شيء يهزُّ الروح في هذا المكانِ

ألفُ شُبَّاك على البحرِ الذي قد أغرَقَ الإغريقَ

كي يُغرقنا الرومانُ

بيضاءُ هي الجدرانُ

زرقاءُ هي الموجةُ

سوداءُ هي البهجةُ

والفكرةُ مرآةُ الدماء الطائشهْ

فلتُحَاكَمْ عائشهْ

ولتُبَرَّأْ عائشهْ

آه ’ لا شيء يثير الروح في هذا المكانِ


... ولتكُنْ هذي المدينةْ

جَدَّةَ الدنيا وما شاءَتْ وما شاءتْ

فما شأني أنا ؟ كلُّ صباحٍ

لم يجئني أوَّلاً ليس صباحي !

لا...

وما شأني أنا ؟ كلُّ رياحٍ

لم تُكَسِّرْني مَدَى ليستْ رياحي !

لا...

وما شأني أنَا ؟ كلُّ جراحٍ

لم تَلِدْ فيَّ إلهاً طَازجاً ليست جراحي !

لا...

وما شأني أنَا؟

أيُّ سلاح في يدي

لا يُرْجِعُ الخبزَ إلى حنطته ليس سلاحي !

.. وليكُنْ أنَّ الذي شيَّد هذا السورَ جَدِّي

أو عَدُوِّي.

...وليَكُنْ أنَّ الذي سمَّى المدينهْ

فارسٌ

أو عاشقٌ

أو لا أحدْ

...وليَكُنْ أنَّ عيون الياسمينهْ

تَحْفَظُ الأسرار منذ انبجستْ حَوَّاءُ...

ما شأني أنا الضائع ما بين سماءٍ وَحَجَرْ

بقضاءِ

لم أُطَّيرْ فيه أسراب حمامي ,

لم أُدخِّنْ فيه أحلامي’

ولم أصطدْ قَمَرْ...

كُلُّ غُصْنٍ لم يُقَلِّدْ لعبتي الأُولى ,

ولم يجرح يدي ليس شَجَرْ

وليَكُنْ ما كان ,

لا شيء يهزُّ الروح في هذا المكانِ


المكانُ الرائحةْ

قهوةٌ تفتح شُبَّاكاً غُموضُ المرأة الأولى

أبٌ عَلَّق بحراً فوق حائطْ

المكانُ الشَهَواتُ الجارحةْ

خطوتي الأولى إلى أول ساقين أضاءا جسدي

فتعرَّفْتُ إليه وإلى النرجس فيّ

المكان المَرَضُ الأوَّلُ....

أُمٌّ تعصُرُ الغيمةَ كي تغسل ثوباً . والمكانْ

هو ما كان وما يمنعني الآن من اللهوِ

المكانُ الفاتحةْ,

المكانُ السَنَةُ الأولى . ضجيجُ الدمعة الأُولى

التفاتُ الماء نحو الفتيات . الوَجَعُ الجنسيُّ في أوَّلِهِ, والعَسَلُ المُرُّ

هُبوبُ الريح من أُغنيَّةٍ . صخرةُ أجدادي وأُمِّي الواضحةْ

المكانُ الشيءُ في رحلته منِّي إليَّ

المكانُ الأرضُ والتاريخُ فيَّ

المكانُ الشّيء إنْ دَلَّ عليَّ

آهِ , لا شيءَ يضيءُ الاسم في هذا المكانِ

..... وسلاماً أيها البحرُ المريضْ

أيها البحر الذي أَبْحَرَ من صور إلى إسبانيا

فوق السُفُنْ

أيها البحر الذي يسقط مِنَّا كالمُدُنْ !

ألفُ شُبَّاك على تابوتك الكحليِّ مفتوحٌ

ولا أبصر فيها شاعراً تسندُهُ الفكرةُ ,

أو ترفعُهُ المرأةُ....

يا بحر البدايات , إلى أين تعودْ

أيها البحر المحاصرْ

بين إسبانيا وصورْ

ها هي الأرض تدورْ

فلماذا لا تعود الآن من حيث أتيتْ؟

آه ,مَنْ يُنْقِذُ هذا البحرَ

دَقَّتْ ساعة البحرِ

تراخي البحرُ

من يُنْقِذُنَا من سَرَطَان البحرِ

مَنْ يُعْلِنُ أنَّ البحرَ مَيِّتْ؟!

....وسلاماً أيها البحر القديمُ,

أيها البحر الذي أَنْقَذَنا من وحشة الغاباتِ

يا بحرَ البدايات...[يغيبُ البحرُ]

يا جُثًّتَنا الزرقاءَ , يا غبطتنا , يا روحنا الهامدَ من يافا إلى قرطاج , يا إبريقنا المكسور , يا لوح الكتابات التي ضاعت

بَحَثْنَا عن أساطيرِ الحضارات

فلم نُبْصِرْ سوى جمجمة الإنسان قرب البحرِ....

يا غبطتنا الأولى ويا دهشتنا –

هل يموتُ البحرُ كالإنسان في الإنسان

أمْ فِي البحرِ؟

لا شيء يثير البحرَ في هذا المكانِ

حين نعتادُ الرحيلْ

مَرَّةً

تصبح كُلُّ الأمكنهْ

زَبَداً نطفو عَلَيهْ

ونميلْ

كلما مالَت بنا الريحُ

ونعتادُ بُكاء الأحصنهْ

حين نعتاد الرحيلْ

مَرَّةً

تصبح كُلُّ الأزمنهْ

لحظةً للقتل

كم مُتنا وكم مُتنا,

وكان الكَهَنَهْ

خَدَماً للسيف منذ المعبد الأوَّلِ

حتى آخر الثورات’

والعاشقُ عَبْدَ السوسنهْ

....وسلاماً يَتُها الأرضُ الأسيرةْ

يا التي كانت عقابَ الله فينا

ثم صارت جَنَّةَ الله الصغيرةْ....

من سيحتاجُ ضحيَّه

ليرى البحر أمَامَهْ؟

من سيحتاج يمامهْ

ليُرَبِّي طفلَهُ في البندقيةْ؟

من سيحتاج الضحيّةْ

ليكون السيِّد الأوحد في روما الأخيرةْ؟

من سيحتاج القيامةْ

ليرى قاتلَهُ – التوأمَ مجهولَ الهويّةْ؟

مَنْ سيَحتاجُ البقيةْ

مَنْ

سيحتاجُ

البقيَّةْ؟

ها هي الأرضُ بما فيها وَمَنْ يمشي عليها

بندقيَّةْ

ها هي الأرض لروما

ولروما دَقَّتِ الساعةُ

دَقَّتْ

كُلُّ يومٍ آخرُ الأيامِ , والأحلامُ نارٌ معدنيَّةْ

.....فسلاماً يَتُهَا الأرض / الضحيَّةْ !


كُلُّ مَنْ يَرْحَلُ في الليل إلى الليل – أنا

كُلُّ مناي قَسَمَ الحقلَ إلى اثنين :

مُنادٍ ومنادَّى لا يناديه – أنا

كُلُّ ما يُعجبني يحتلُّهُ الظلُّ هنا

كُلُّ مَنْ تَطلُبُ منَّي قُبلةً عابرةً

تسرق روحي... وخُطاي

كُلُّ طَيرٍ عابرٍ يأكُلُ خبزي من جروحي

ويُغني لسواي

كُلُّ مَنْ يضربه الحبُّ يناديني

لكي يزداد أعدائي ... فراشةْ

كُلُّ مَنْ تلمس نهديها لكي يخمش عصفوران قلبي...

تتلاشى

كُلُّ جدعٍ لَمَستْهُ راحتي طار سحابهْ

كُلُّ غيمٍ حطَّ في أُغنيتي صار كآبهْ

كُلُّ أرض أتمنَّاها سريراً

تتدلّى مشنقهْ

....وأُحبَّ إذ يبتعد الحبُّ,

أُحبُّ الزنبقهْ

عندما تذوي على كفِّي وتنمو في نشيدي فانتظرني يا نشيدي

رُبَّما نحفر في هذا المكانِ

موطئاً للروح من أجل غريبين يمرَّانِ على الأرض

ولا يلتقيانِ

آه ’ من هذا المكانِ

آه ’ لا شيء يهزُّ القلب في هذا المكانِ


نَحْنُ ما نحن عَلَيهْ,

نحن جيل المجزرةْ

أُمَّةُ تَقْطَعُ ثَدْيَيْ أُمِّهَا.

أُمِّةٌ تَقتلُ راعي حُلْمها

في الليالي المقمرةْ

دون أن تبكي عليهْ


أيْن ظلُّ الشجرةْ؟


نحن ما نحن عليهْ

نحن مَنْ كُنَّا لنا

نحن مَنْ صرنا .... لِمَنْ؟

فارسٌ يُغمد في صدر أَخِيِه

خنجراً باسم الوطنْ

ويُصَلِّي لينال المغفرةْ




أين شَكْلُ الشجرةْ؟

نحن ما نحن عليه الآن ,

ماتوا لأُغنِّي

أَم ليبنوا خيمةً من أجل نايْ؟!

كلما سارتْ خطايَ

خلفهم , قبل خطايَ

انفتحتْ صحراءُ من أجلي ,

وماتتْ قُبِّرةْ


أين جذعُ الشجرةْ؟


نحن ما نحن عليهْ

قاتِلّ مَنْ شهد القَتْلَ ولم يشهد عليهْ

غَيَّروا اسماءَهُ

واستبدلوا شارةَ نصري

يدمي فوق يديهْ

وضعوا عينيِّ كي أشهد أني لم أرَهْ

أيْنَ ... أيْنَ الشجرةْ؟


نَحْنَ ما نَحْنُ عليهِ,

موتُنا لا موتَ فيه الآن لا يبتدئ النهرُ من السرجِ ولا لا يشرئبُّ الشَبَقُ

العالي ليخفي جبلاً في ساعدٍ لا يتدلَّى من نشيدي شَفَقُ الدين النحاسيِّ

ولا يصطفُّ شعبٌ في جحيم اللذة الكبرى...

((أسأنا لك يا شعبي ))

أسأنا للنباتات التي تخفيكَ عنا

موتُنا لا موت فيه الآن لا إيقاعَ للصخرة لا صخرةَ في حادثنا المائيِّ

فلنذهبْ إلى ما ليس فينا كي نرى ما ليس فينا ليس فينا دعوةٌ للناس من مذبحةٍ نمشي إلى لكي نهتفَ:

مرحى ! ها هي الوردةُ .... فلنسجدْ

((أسأنا لَكَ يا شعبي ))


يا شعبَ نشيدي , منذ جاءَ الربُّ من فكرته مَشْياً إلى القدس , ولا صخرةَ نبني فوقها أصواتنا أو صلواتٍ تطلب الغفرانَ....

نحن الآن ما نحن عليهِ

كُلَّمَا قَامَ نبيُّ من ضحايانا ذبحناه بأيدينا بأيدينا ,

ولي حُرِّية القولِ

وللكاهن حَقُّ القتل

لي حقُّ العصافير

وللقاضي حُدُودُ الأُّفق الوارفِ

لي شرعيَّةُ الحُلْمِ

وللجلاَّدِ أن يسمعني أو يفتح الباب لكي تهرب أحلامي

ولي حُرَّيتي حريتي أن أكتب الحاء كما شئتَ

وأن أقفز من حرف إلى حرفٍ

وأن أقطع كفّي كي أُسمِّي زمني

لا موتَ في الموت الذي يتبعني كالظلِّ,

أو ينزلقُ الآن على جسمي كأنثى حرمتني لذّة الحرمانِ,

لاَ يَخْرُجُ مِني حُلُمٌ إلاّ لكي يُضْحِكَني

أو يُضْحِكَ الناس علَى شخص يَجُرُّ الحُلْمَ كالنَّاقَةِ في سوق الغواني ليس هذا الموت موتاً لا ولا أَعرفُ شيئاً  عن بداياتي لهذا أتمني أن أُحاذي النهر حتى أصبحَ النهرَ ولا لا أستطيعُ الموت في الموتِ الذي لا موت فيهِ

حَجَرٌ روحي ,

وأُنثايَ وَحُلْمي حَجَرٌ

لا أشتهي أن اشتهيهِ

حَجَرٌ لا لونَ فِيه

حَجَرٌ ليلي ,

وظلِّي حَجَرٌ يندسُّ ما بيني وبيني

حَجَرٌ خبزي

نبيذي حَجَرٌ

لا أستطيعُ الموتَ في الموت الذي

لا موت فيه الآن....


لا شيء يثير الموتَ في هذا المكانِ .


 


اغلاق